حين يصبح التيه سياسة: الحكاية من الآخر

 

حين يصبح التيه سياسة:

 الحكاية من الآخر

                                =======
                                    

خلّينا من الكلام المتنيّ والادّعاء الفارغ، ومن غير هجص المجعجعين اللي بيحللوا وهما قاعدين في التكييف. اللي حصل في مصر مش صدفة، ولا سوء حظ تاريخي، ولا حكاية "شعب ما يستاهلش".

اللي حصل هو عملية هندسة مجتمع كاملة، اتنفذت على مراحل، وكل مرحلة كان ليها كتالوجها، وحاكمها، وتجربتها. والمصريين؟ كانوا مادة التجربة في كل مرة… وفي أحيان كتير، كانوا كمان بيصفّقوا للتجربة.

1️⃣ محمد علي: التأسيس بالقوة وكسر المجتمع القديم

محمد علي ما بنّاش دولة… هو كسّر مجتمع وبنى سلطة. الأعيان بايعوه؟ آه. لكن ما كانش ينفع حد فيهم يقول “أنا أولى”، لأن الراجل فهم اللعبة بدري: ما ينفعش تحكم مجتمع حيّ… لازم تفكّه الأول. محمد علي لغى الكتالوج القديم، وحوّل البلد لشركة مساهمة، هو رئيس مجلس إدارتها، والباقي أرقام في دفتر الأحوال. من اللحظة دي، الدولة بقت سابقة على المجتمع… ودي أخطر نقطة في الحكاية كلها. الخسارة الخفية: إن المبادرة الفردية ماتت، والمجتمع اتعلّم إن النجاة في القرب من السلطة… مش في الاعتماد على النفس.

2️⃣ ثورة يوليو: الإنسان النمطي ودولة الأب

ثورة يوليو ما كانتش بس انقلاب سلطة، دي كانت إعادة تصنيع للإنسان المصري. تفتيت الأرض؟ مش حبًا في الفلاح… لكن لصناعة ظهير شعبي مربوط باللقمة. الدولة لعبت دور الأب: أب بيدي مرتب، ويخصم، ويعاقب، لكن ما يعلّمش ابنه يقف لوحده. من المساكن الشعبية للبدلة المحلاوي للوظيفة الميري، اتخلق مجتمع موظفين، ولاؤه للدولة… مش للأرض، ولا للسوق، ولا حتى لنفسه. الخسارة الخفية: الاستقلال. المصري بقى مستني الدولة تفكرله، تختارله، وتغلط بداله.

3️⃣ السادات: الانفتاح وضرب الخرسانة

السادات ضرب الخرسانة القيمية اللي ماسكة المجتمع. الانفتاح ما كانش سياسة اقتصادية بس، كان زلزال أخلاقي. القيم القديمة اتنسفت، وما تحطّش بدالها قيم جديدة. النتيجة؟ مبنى واقف من برّه… ومن جوّه رمل. الخسارة الخفية: المعنى. الناس بقت بتجري… ومش عارفة ليه.

4️⃣ مبارك: التجميد الكبير ومأسسة الفساد

مبارك ساب البلد "تعطن". حوّل الفساد من سلوك… إلى سيستم. الفساد هنا ما كانش سرقة بس، كان سدّ لكل مخرات التغيير. أي سيول طبيعية؟ تتمنع. البلد ما انهارتش… بس اتشلت وهي واقفة. الخسارة الخفية: الحركة. المجتمع دخل في غيبوبة "الاستقرار" الزائف.

5️⃣ يناير: الثورة اللغز وكشف العُري

يناير كشفت إن المجتمع عريان. مبارك مشي، والإخوان جم بتصميم هندسي بارد… لا يفهم المجتمع، ولا يعترف بتعقيده، ولا يشوف فيه غير “غنيمة تنظيمية”. حاولوا يفرضوا كتالوجهم… فالمجتمع لفظهم، ومشوا بطريقة مذلة. الخسارة الخفية: اليقين. الناس اكتشفت إن مفيش حد فاهم… ولا حد ماسك الخريطة.

6️⃣ السيسي: اللا-مجتمع والرأسمالية المتوحشة

الراجل ده بيعيد تأسيس المجتمع المصري على أسس الرأسمالية المتوحشة بوضوح وشفافية مطلقة. وأي تأسيس من النوع ده لازم يكون له ضحايا، والضحايا هنا مش خطأ… دي تكلفة محسوبة. ليه؟ لأنه عارف إن المجتمع نفسه بقى غير مجتمع. مجرد مجموعات بشر تجمعهم رقعة أرض من غير رابط، ولا قيم مشتركة، ولا حتى إحساس بالمصير الواحد. النتيجة: وحدات ذرّية بتتحرك لوحدها في سباق بقاء، النجاة فيه فردية… والسقوط جماعي.

7️⃣ التيه الكبير: لا الصدمة بتفوّق ولا الجوع بيحرّك

وعشان نكمل الحكاية، لازم نفهم إننا دخلنا مرحلة "التيه" اللي ملوش آخر باين. الصدمات الاقتصادية مابتفوقش حد، دي بتعمل "تنميل جماعي". المصري مابقاش بيثور، المصري بقى "بيتمسّخ". يدور على شغلانة تانية، يقلل أكله، يداري وجعه في نكتة، ويسكت.

إحنا بقينا في حالة تكيّف مرضي. بنصغر عشان الأزمة تعدي من فوقنا، والنتيجة إن المجتمع نفسه هو اللي "بيدوب". المصيبة مش إننا مش عارفين نخرج، المصيبة إننا مابقيناش عارفين نتخيل شكل الخروج. مفيش تراكم، مفيش دروس، مفيش ذاكرة. إحنا بنلف في ساقية، وكل ما الساقية تسرع، بنفتكر إننا بنتحرك.

الخلاصة (من غير أمل رخيص)

المجتمع المصري ما انهارش فجأة. هو اتفك مسمار مسمار. وكل مرحلة كانت بتشيل مسمار وتسيب اللي بعدها تتعامل مع الخلل، لحد ما وصلنا لمرحلة التأسيس على الرمل، لأن مفيش خرسانة نربط فيها أصلًا.

السؤال مش نرجّع الروابط إزاي؟ السؤال الأخطر: هل اللي اتفك ده كان مجتمع أصلًا؟ ولا مجرد صيغة تعايش مؤقتة انتهت صلاحيتها؟ إحنا دلوقتي في مواجهة الحقيقة العارية: إحنا لوحدنا… فرادى في تيه طويل… والنجاة فيه بالصدفة، مش بالسيستم.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

مولانا تصميم ahmad fathi © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.