إبستين ويناير:
تفكيك سردية «الستار الأخلاقي» في السياسة الدولية
قبل الاندهاش من الربط بين اسم جيفري إبستين وأحداث يناير 2011، لا بد من التوقف عند السياق الأشمل الذي يحكم العلاقات الدولية، حيث لا تُدار السياسة بلغة القيم كما يُروَّج لها، بل بمنطق المصالح، النفوذ، وأحيانًا الابتزاز الأخلاقي. في هذا الإطار، يصبح السؤال مشروعًا:
هل كانت ثورة يناير تعبيرًا خالصًا عن غضب شعبي، أم أنها لحظة تم استثمارها وتوجيهها ضمن مشروع دولي أوسع، استغل شعارات الحرية وحقوق الإنسان كأدوات ناعمة لإعادة تشكيل المنطقة؟أولًا: إبستين كرمز… لا كمفتاح سحري للتفسير
قضية جيفري إبستين كشفت جانبًا مظلمًا من بنية النخب الغربية: شبكات نفوذ تتقاطع فيها السياسة بالمال وبالفساد الأخلاقي، مع قدرة مذهلة على الإفلات من المحاسبة. إبستين لم يكن مجرد مجرم جنسي، بل عقدة اتصال في منظومة ابتزاز غير رسمية، استخدمت السقوط الأخلاقي وسيلة لضمان الولاءات.لكن من المهم هنا التمييز بين:
إبستين كرمز لانحطاط أخلاقي بنيوي في النخب الغربية
وبين استخدام اسمه كدليل مباشر على إدارة أحداث سياسية بعينهاالربط التحليلي المشروع هو أن الغرب الذي يرفع شعارات الديمقراطية ليس بريئًا أخلاقيًا، وأن أدوات السيطرة لديه لا تتورع عن استخدام أكثر الوسائل انحطاطًا. أما الربط التقريري المباشر بين ملفات إبستين وأحداث يناير، فيظل في إطار الاشتباه السياسي لا الإدانة المثبتة.ثانيًا: واشنطن و«تصدير التغيير»… بين الدعم والتوجيه
لا يمكن فهم يناير بمعزل عن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين. إدارة أوباما، ووزارة الخارجية بقيادة هيلاري كلينتون، تبنت خطابًا واضحًا عن “دعم التحول الديمقراطي” و“تمكين المجتمع المدني”. هذا الدعم لم يكن نظريًا فقط، بل تُرجم إلى:
تمويل منظمات غير حكومية
برامج تدريب سياسي وإعلامي
ضغط دبلوماسي تحت عنوان حقوق الإنسانهذه السياسات لم تكن تهدف بالضرورة إلى إسقاط دول، لكنها كانت مستعدة للتعايش مع تفكك الدولة إذا تعارض استقرارها مع المصالح الأمريكية المتغيرة. هنا يكمن جوهر الإشكال:
الولايات المتحدة لم تصنع الغضب الشعبي، لكنها استثمرت فيه، ودفعت باتجاه مسارات لم تكن معنية بعواقبها على بنية الدولة الوطنية.ثالثًا: تدريبات النشطاء… من العفوية إلى الاحتراف
الحديث عن تدريبات بعض النشطاء في صربيا ورومانيا، تحت إشراف مراكز مثل CANVAS، ليس ادعاءً بلا أساس. هذه البرامج كانت موجودة، وهدفت إلى:
تعليم تقنيات الحشد السلمي
إدارة العصيان المدني
كسر رمزية الخوف من أجهزة الدولةلكن الخطأ الشائع هو القفز من هذه الحقيقة إلى تعميم الاتهام:
ليس كل من نزل إلى الميدان عميلًا، وليس كل ناشط مدرَّب واعيًا بأنه جزء من لعبة دولية. كثيرون تحركوا بدافع الغضب المشروع، لكنهم وجدوا أنفسهم داخل سيناريو أكبر منهم، صُمم بعقل بارد في عواصم لا ترى في الدول سوى أوراق ضغط.رابعًا: الأيقونات الإعلامية وصناعة الرموز
شخصيات مثل وائل غنيم تم تقديمها إعلاميًا كـ«أيقونات» للثورة، في إطار سردية مبسطة يسهل تسويقها عالميًا. هذه الأيقونات لم تكن بالضرورة صانعة للحدث، بل أدوات رمزية لتكثيفه وتسويقه.التجربة اللاحقة أظهرت أن كثيرًا من هذه الرموز:
تم استهلاكها سريعًا
ثم أُزيحت من المشهد بلا اكتراث
وهو ما يكشف طبيعة العلاقة النفعية بين المنظومة الدولية وهذه الواجهات المحلية.خامسًا: الدولة أم النظام؟ السؤال الذي تأخر كثيرًا
السؤال الجوهري ليس: هل كانت يناير مؤامرة أم ثورة؟
بل: من الذي تضرر فعليًا؟
النظام السياسي سقط.
لكن مؤسسات الدولة نفسها تلقت ضربات عميقة في هيبتها وتماسكها.القوى الدولية لم تكن معنية بالفصل الدقيق بين “النظام” و“الدولة”، بينما كثير من المحتجين كانوا يعتقدون أنهم يواجهون نظامًا فقط. هذا الخلط كان أحد أخطر نتائج اللحظة.الخلاصة
يناير لم تكن مشهدًا أبيض نقيًا، ولا مؤامرة سوداء كاملة الأركان. كانت لحظة تاريخية التقت فيها:
مشاكل داخلية حقيقية
مع توجيه خارجي انتهازي
في ظل نخب محلية أساءت التقديرأما “الكلام الغربي” عن الحرية وحقوق الإنسان، فلم يكن كذبًا خالصًا، لكنه استُخدم كأداة سياسية، لا كقيمة أخلاقية ثابتة. وهنا تكمن المأساة: حين تتحول الشعارات النبيلة إلى ستار يُخفى خلفه صراع المصالح، تدفع الدول ثمنًا يفوق بكثير نوايا أبنائها.
"في نهاية المطاف، يبقى الوعي هو الحصن الأخير؛ فإذا انهار الحصن النفسي للمواطن تحت وطأة الشعارات البراقة، سقط حصن الدولة طواعية دون حاجة لجيوش الغزاة."


0 التعليقات