اللغة المسحوقة: تمييع المصطلحات وهندسة الوعي
لم تعد اللغة وسيلة للتفاهم، بل ساحة قتال ناعمة تُدار فيها أخطر حروب هذا العصر: حرب المعاني.
لقد دخلنا زمنًا تُصاغ فيه المفاهيم كما تُصاغ الإعلانات: تسويق بلا ضمير، وشعارات بلا مضمون. تُباع الكلمة في المزاد، ويُشترى الوعي بالتقسيط.
تُقتل الحقيقة على يد مفردة مبتسمة تُخفي سكينًا في معناها.
تمييع المصطلحات: الجريمة بلا جثة
ما يحدث للغة العربية اليوم ليس خطأً عابرًا، بل عملية هندسة للوعي، منظمة ودقيقة، تُدار من غرف صناعة الخطاب السياسي والإعلامي.
تُفرغ الكلمات من محتواها، وتُعاد تعبئتها بمعانٍ مموّهة، لتُصبح أداة تبرير لا وسيلة تعبير.
الرشوة صارت “إكرامية”، والزنا “حبًّا”، والسرقة “شطارة”، والوقاحة “جرأة”، والجهل “بساطة”، والانحلال “تحررًا”.
حتى “الانبطاح” صار “واقعية”، و“الخيانة” أصبحت “مرونة دبلوماسية”!
هكذا يُعاد تعريف القيم بأدوات لغوية ناعمة، حتى يتحوّل الحرام إلى وجهة نظر، والانحراف إلى ذوق شخصي، والخيانة إلى “اختلاف في وجهات النظر”.
إنها جريمة بلا جثة، لأن القتيل هنا هو المعنى نفسه.
من القاموس إلى القفص
اللغة التي كانت يومًا وعاء الفكر، صارت اليوم قفصًا يُحبس فيه العقل.
يتحوّل المواطن إلى مفعولٍ به دائم، يتلقى المصطلحات كجرعاتٍ يومية من المخدر، حتى يفقد القدرة على التفكير النقدي.
الإعلام يلعب الدور الأبرز في هذه المسرحية اللغوية.
يُعيد إنتاج الأكاذيب بعباراتٍ منمقة، ويُلقّن الناس قاموسًا جديدًا يخلو من الصراحة، لأن الصراحة تُزعج الممول والإعلان والرقيب.
كل كلمة تُقاس بميزان المصلحة، لا بمعيار الحقيقة.
تتكرر المصطلحات نفسها في كل نشرات الأخبار: “تمكين المرأة”، “تحسين الخدمات”، “تطوير التعليم”، “تحديث الخطاب”.
لكن حين تفتش عن مضمون هذه الكلمات، لا تجد سوى هواءً مضغوطًا في علبٍ ذهبية.
المثقف المزيّف... خادم اللغة الجديدة
حتى المثقفون – أو من يُفترض أنهم حراس المعنى – أصبحوا شركاء في الجريمة.
تراهم يتحدثون عن “الرمزية” و“المجاز” و“القراءة المفتوحة” لتبرير أي عبث لغوي أو أخلاقي.
صاروا مثل طهاةٍ بارعين في تقديم طبقٍ فارغ بطريقة فنية، فيصفّق لهم الجمهور على “الفراغ الجميل”.
لقد تحوّل بعض المثقفين إلى وكلاء تجميل لغوي، يصنعون المكياج للخراب.
يكتبون مقالات منمقة عن الحرية وهم عبيد التمويل، ويتحدثون عن “التنوير” وهم يعيشون في عتمة النفاق الفكري.
اللغة المسحوقة بين التحجّر والتمييع
اللغة اليوم بين مطرقة التحجّر وسندان التمييع.
من جهة، هناك من يُجمّدها في قوالب الماضي، ويُحاكم العصر بمعاجم القرون الوسطى.
ومن جهة أخرى، هناك من يُذيبها حتى لا يبقى منها سوى أصوات بلا معانٍ، وكلمات بلا روح.
وفي الحالتين، تضيع لغتنا: فلا هي تجددت بوعي، ولا حافظت على جوهرها الأصيل.
لقد فقدت اللغة توازنها الطبيعي بين التطور والهوية، بين المعنى والوظيفة.
وما لم ننتبه سريعًا، سنستيقظ ذات يوم لنكتشف أننا نتحدث لغة لا نفهمها، ونفكر بكلمات لا تعني ما نقول.
هندسة الوعي: حين تُصبح الكلمة سلاحًا
التحكم في اللغة ليس ترفًا لغويًا، بل أداة سلطة.
حين تُمسك بالمعنى، تُمسك بالعقول.
حين تتحكم في المصطلح، تتحكم في طريقة التفكير.
هكذا تُدار الشعوب، لا بالحديد والنار، بل بالكلمة.
كلمة تُغيّر شعور أمة، ومصطلح يُقلب ميزان الحقائق.
يكفي أن تُبدّل كلمة واحدة في الخطاب العام، لتُعيد تشكيل الوعي الجمعي.
تُسمّي الاحتلال “حماية”، والتطبيع “سلامًا”، والظلم “استقرارًا”، فينقلب الواقع في الأذهان دون أن تُطلق رصاصة واحدة.
إنها هندسة الوعي على الطريقة الحديثة: كلماتٌ ناعمة... بنتائج مدمّرة.
الكلمة آخر خطوط الدفاع
المعركة الحقيقية ليست على الأرض، بل في اللسان.
من يعبث بالكلمة، يعبث بالوعي.
ومن يعبث بالوعي، يهدم الأمة من داخلها بلا ضجيج ولا دماء.
الحل لا يبدأ من مجامع اللغة، بل من كل عقلٍ يرفض أن يُخدّر بالكلام الجميل.
علينا أن نُعيد للكلمة معناها، وللمعنى مكانته، وأن نُعيد للصدق لغته.
فالكلمة الصادقة لا تحتاج إلى تزيين، لأنها تملك جمالها من حقيقتها.
لغتنا لا تموت حين تُهمل، بل حين تُزوّر.
والوعي لا يُهزم حين يُقمع، بل حين يُخدّر.
فاحذروا... من أولئك الذين يُحسنون الكلام، لأن أخطر الأكاذيب تُقال بأفصح الألسن.
من يعبث بالكلمة، يعبث بالوعي...
ومن يعبث بالوعي، يهدم أمة بأكملها.


0 التعليقات