**من قيد الاضطهاد إلى مركز الفاعلية

 

**من قيد الاضطهاد إلى مركز الفاعلية



تحوّل دور المرأة بين نسف عصر وبداية آخر**

عبر التاريخ، لا يبدأ عصر جديد بمجرد إعلان أو قرار، بل ينهار معه القديم لغويًا وفكريًا ومجتمعيًا.
وأكثر مثال واضح على هذا النسف الكامل للمصطلحات القديمة، هو تحول دور المرأة في المجتمع.
في مصر، يمكن ملاحظة هذا التحول بشكل جلي خلال العقود الأخيرة، من زمن كانت فيه المرأة مجرد تابعة، إلى عصر أصبحت فيه فاعلة وصاحبة قرار في كل تفاصيل حياتها.


1. العصر القديم: النموذج الأبوي وهندسة الجهل

في مصر حتى منتصف القرن العشرين تقريبًا، كان النظام الاجتماعي الأبوي يفرض على المرأة التبعية والصمت والجهل.

الجسد والمعرفة

  • الفتاة تدخل الزواج بلا معرفة بجسدها أو بحقوقها،

  • الأمومة كانت غالبًا أول وأقرب تجربة للفهم، وكأن المعرفة الجسدية جريمة، والجهل هو “النقاء”.

  • النقاش حول الجنس أو الرغبة كان محرمًا، وأي فضول يُقابل بالصمت أو التوبيخ.

الاقتصاد والعمل

  • المرأة محصورة داخل البيت، مسؤوليتها تربية الأطفال وخدمة الأسرة،

  • لا دخل مستقل، ولا حق في إدارة المال، وقرارها المالي مرهون بالرجل.

الوعي الاجتماعي والسياسي

  • المرأة كانت “موجودة بلا صوت”، حضورها محصور في البيت،

  • كل شيء مرتبط بالوصاية: من التعليم إلى الزواج، ومن السلوك إلى التعبير.

هذا النظام لم يكن فوضويًا، بل كان هندسة كاملة للسيطرة لضمان استمرار التبعية على جميع المستويات: جسد، مال، قرار، وعقل.


2. سقوط النظام القديم: بدايات التغيير

مع مرور العقود الأخيرة، بدأت الأرض تتغير:

• التعليم والمعرفة

  • المدارس والجامعات أصبحت متاحة للبنات مثل الأولاد،

  • الفتاة اليوم تعرف جسدها وحقوقها قبل الزواج، وليس بعد الإنجاب،

  • هذا كسر أحد أهم ركائز السيطرة: الجهل.

• العمل والاستقلال المالي

  • دخول المرأة سوق العمل جعلها شريكًا ماليًا حقيقيًا، ليس تابعًا،

  • المرأة أصبحت قادرة على اتخاذ قراراتها المالية والمهنية، سواء داخل الأسرة أو خارجها.

• التكنولوجيا ووسائل الإعلام

  • الإنترنت والميديا وفّرت للمرأة معرفة مباشرة وعملية لم تكن متاحة للجيل السابق،

  • الفتاة اليوم يمكنها التعرف على حقوقها، واجباتها، وأساليب اتخاذ القرار بثقة.

• التغير الثقافي

  • صعود ثقافة الفردانية منح المرأة الحرية في اختيار مسار حياتها،

  • أصبح القرار الشخصي والمعرفة والوعي أدوات لتمكين المرأة اجتماعياً وسياسياً.


3. العصر الجديد: الفاعلية الكاملة ومركز القرار

اليوم، المرأة في مصر لم تعد مجرد متلقية أو تابع، بل أصبحت فاعلة ومؤثرة في كل المجالات:

الجسد والمعرفة

  • الاستقلالية الجسدية (Bodily Autonomy) حق واضح وغير قابل للمساومة،

  • الفتاة تتعرف على جسدها ووعىها قبل الزواج، وليس بعده،

  • أصبح هناك نقاش مفتوح عن الصحة الجنسية والحقوق الجسدية، رغم بعض المقاومة المجتمعية.

الاقتصاد والعمل

  • المرأة أصبحت رائدة ومنافسة في سوق العمل،

  • تقود الشركات، تشارك في السياسة، وتتحكم في مواردها المالية،

  • لم يعد وجودها الاقتصادي مجرد ملحق لقرار الرجل، بل أصبحت مؤثرة ومحورية.

الوعي الاجتماعي والسياسي

  • المرأة تشارك في القرار الأسري والمجتمعي، من التربية إلى التعليم إلى السياسة،

  • أصبحت جزءًا من صناعة القرارات الكبرى، ولم تعد على هامش الحياة،

  • هذا التحول ألغى جزءًا كبيرًا من المنطق القديم الذي كان يحصرها في التبعية والصمت.


4. صراع التحول في الواقع المصري

لم يحدث هذا التغيير بلا مقاومة:

  • المقاومة الاجتماعية: بعض الأسر والمجتمعات لا تزال تحاول فرض القيم القديمة على الفتاة والمرأة.

  • ارتباك الأجيال: الجدات والأمهات تربين على نموذج قديم، بينما البنات يعشن نموذج جديد، مما يخلق صدامًا قيمياً طبيعياً.

  • الفوضى المؤقتة في المعايير: في الشرف، الحرية، الدور الأسري، ومسؤولية اتخاذ القرار.

لكن هذا الصراع جزء طبيعي من أي ولادة لعصر جديد، وهو لا يعني انهيار المجتمع، بل إعادة تشكيله بما يتوافق مع الواقع الجديد.


5. معنى التحول

التحول لم يكن مجرد انتقال من اضطهاد إلى سيطرة، بل إعادة تأسيس:

  • من الجهل المفروض → إلى المعرفة المبكرة والواعية

  • من التبعية → إلى الفاعلية الكاملة

  • من الهامش → إلى مركز القرار الاجتماعي والاقتصادي

  • من الصمت → إلى الصوت والمبادرة

المرأة القديمة نسفت نفسها بمصطلحاتها وأدوارها القديمة، والمرأة الجديدة خلقت قاموسًا جديدًا للوعي، المبادرة، الاستقلالية، واستعادة دورها الحقيقي في المجتمع.


خاتمة

بين عصرين، سقطت المفاهيم القديمة كما تسقط جدران بيت قديم لم يعد صالحًا للعيش.
المرأة الجديدة في مصر ليست مجرد طرف في المجتمع، بل رمز للتحول الحضاري الأكبر، و معيار لمستقبل أكثر عدلاً وفاعلية.

هذا التحول لم يكتمل بعد، لكنه بدأ بالفعل، وسيستمر مع كل جيل جديد يعي دوره ويعيد صياغة العالم حوله.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

مولانا تصميم ahmad fathi © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.