«الكابتن»… الإنسان السوي الوحيد في مسرحية العبث الكبرى

 

«الكابتن»… 

الإنسان السوي الوحيد في مسرحية العبث الكبرى




يبدأ مسلسل «الكابتن» بمشهد سينمائي بامتياز: طيّار وسيم، أنيق، يقود أحدث موديلات المرسيدس، ويمتلك كل أدوات النجاح المادي. لكن هذا الافتتاح ليس سوى قشرة براقة، يخفي تحتها المخرج معتز التوني أطروحته الأساسية:
ماذا لو استيقظ إنسان سوي واحد، ليكتشف أنه يعيش وسط عالم مختل بالكامل؟

بعد حادث الطائرة، لا يستفيق «الكابتن» بوصفه ناجيًا فقط، بل بوصفه المحكوم عليه بالوعي. فالنجاة هنا ليست خلاصًا، بل عقوبة؛ لأن إدراك الحقيقة في عالم يرفض رؤيتها شكل من أشكال العذاب. من هنا تبدأ الرحلة، لا كحكاية إنقاذ، بل كغوص قاسٍ في مستنقع إنساني آسن، حيث الفشل لا يسكن الفقر، بل يسكن التشوه الأخلاقي والنفسي.


حين يفسد النظام… يصبح الأفراد مجرد أعراض

قبل الاقتراب من الشخصيات، يضعنا المسلسل مباشرة أمام فساد بنيوي، وتحديدًا في منظومة كرة القدم، بوصفها نموذجًا مصغرًا للمجتمع.
فساد ثلاثي الأبعاد:

  • إدارة تتاجر بكل شيء.

  • لاعبون فقدوا شرف المنافسة.

  • وجمهور شريك في الجريمة، يعلم الحقيقة ويختار التصفيق.

هنا لا يعود الجمهور ضحية، بل فاعلًا يمنح الفساد شرعيته. فالتصفيق ليس جهلًا، بل اختيار واعٍ للاستمرار في الوهم، وتحويل العبث إلى طقس احتفالي جماعي.


معرض القبح الإنساني

في دائرته القريبة، يواجه الكابتن نماذج تبدو عادية، لكنها في جوهرها مشوهة:

  • الجدة «إصرار»: قسوة جيل قديم لم يتصالح مع الزمن، فحوّل الصلابة إلى عنف.

  • الخطيبة «سما»: تفاهة جيل جديد يعيش على السطح، بلا عمق ولا أسئلة.

  • الصديق «كريم»: إنسان استسلم لشهواته حتى تلاشى، فلم يعد فاسدًا بقدر ما أصبح فارغًا.

أما الأرواح التي يصادفها، فهي مرايا أكثر فجاجة للانهيار:

  • رانيا الشمال: انتهازية العلاقات حين تتحول المشاعر إلى سلعة.

  • تامر: ليس “غبيًا”، بل نموذج إنساني أخطر؛ إنسان تنازل عن عقله مقابل وهم الأمان، فصار يُساق طوعًا خلف الخديعة.

  • زوجة عم «باني»: بخل متوحش قتل الرحمة حتى بوجود طفلها، في صورة مرعبة لانهيار القيم داخل الأسرة.


العنصرية الطبقية… حين يُهان الصدق

يتجلى العبث الطبقي في تعامل عائلة «سوسن بدر» مع «الدوبلير» المثالي.
إنسان نزيه، مخلص، يُقصى لا لعيب فيه، بل لأن مهنته لا تليق بـ «أهل إيجيبت».
هنا لا يُرفض الرديء، بل يُقصى السوي، وتُحتقر القيمة لصالح الصورة، في منطق اجتماعي يرى الكفاءة إهانة إن لم تأتِ من الطبقة المناسبة.


الفن… حين يتحول إلى مصنع للزيف

تبلغ المفارقة ذروتها في علاقة الكابتن بـ «الممثل الروح»؛ فنان كان يُهان ويُسحق، ثم يتحول فجأة إلى نجم.
ليس بالموهبة، ولا بالورق، بل بترتيبات عبثية تفضح كيف يُصنع المجد الزائف في عالم الفن، بعيدًا عن القيمة الحقيقية.

وسط مدير مسرح تائه، وفنانين لا يتحركون إلا بالتهديد، تتضح الخدعة الكبرى:
لم تكن المسرحية حلًا، بل ستارًا.


الضحك… والزار: آليتان للتخدير

في النهاية، تُعرض مسرحية تجمع كل مآسي الكابتن والأرواح التي مر بها.
المسرحية تنجح… لا لأنها واجهت الألم، بل لأنها حوّلته إلى ضحك.

الضحك هنا ليس ترفيهًا، بل آلية دفاع جماعية لتجنّب مواجهة الحقيقة. تخدير ناعم يسمح للجميع بالتصفيق دون أن يضطر أحد للنظر في المرآة.

وفي السياق ذاته، يمر مشهد الزار كعلامة دالة لا تقل خطورة.
فالزار ليس علاجًا، بل النسخة الشعبية من الآلية نفسها: طقس لتفريغ الألم بالصراخ والرقص بدل فهم أسبابه.
كما ضحك الجمهور في المسرح، تتزّار الناس في الواقع… والوجع باقٍ، لأن أحدًا لم يجرؤ على طرح السؤال الحقيقي.


الخلاصة

نجاح «الكابتن» يعود إلى:

  • رؤية إخراجية واعية لمعتز التوني في ضبط إيقاع الكوميديا السوداء.

  • أداء شديد الذكاء لـ أحمد عبد الوهاب في رسم شخصية مركبة بلا ادّعاء.

  • كتيبة ممثلين جسدوا القبح الإنساني بلا تزييف.

«الكابتن» ليس مسلسلًا للضحك، بل تشريح فلسفي لواقع لا يعاني من نقص الحلول، بل من إدمان الهروب.

لم ينتصر الكابتن…
بل انتصر العرض،
وهذا أخطر ما في الحكاية.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

مولانا تصميم ahmad fathi © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.