لم تعد السينما في كثير من الأحيان مجرد وسيلة للترفيه، بل مساحة تطرح أسئلة محرجة عن السلطة والنخبة والفساد. أفلام عالمية بدت، مع مرور الوقت، وكأنها تلامس وقائع حقيقية هزّت العالم، حيث تتكرر مفاهيم النفوذ والصمت وحماية المصالح. فهل يكشف الخيال ما يتردد الواقع في الاعتراف به؟
1. الحصون المنيعة والواقع المستباح – Eyes Wide Shut
في عالم كوبريك، لا تبدو الحفلات المقنّعة مجرد عنصر جمالي، بل تجسيدًا لبنية اجتماعية ترى في القناع آلية للسلطة. النخبة لا تخفي هويتها فحسب، بل تعيد تعريف الجريمة باعتبارها طقسًا محميًا بالامتياز. الحصن هنا ليس ماديًا فقط، بل نفسي وأخلاقي؛ حيث تتحول اللامساءلة إلى قاعدة مستقرة.
الفيلم لا يقدّم خيالًا غرائبيًا بقدر ما يلمّح إلى واقع تُعطَّل فيه العدالة عند حدود النفوذ. محاولة الدكتور بيل التسلل إلى هذا العالم تكشف مفارقة قاسية: النظام لا يُسقط المتورطين، بل يفرض الصمت كشرط للبقاء. في تلك اللحظة، يصبح الصمت شريكًا كاملًا في الجريمة.
2. صناعة القرار في الغرف المظلمة – The Ghost Writer
ينقلنا الفيلم من الطقوس المغلقة إلى دهاليز السياسة، حيث تصبح المعلومة جوهر السلطة الحقيقي. القادة الظاهرون ليسوا دائمًا صُنّاع القرار، بل واجهات لنظم أعقد. وما إن يقترب الفرد من مركز السر حتى يتحول إلى تهديد يجب احتواؤه أو إسكاته.
الفكرة المحورية أن المنظومات الكبرى لا تدافع عن الحقيقة، بل عن استقرارها الذاتي. الحق في المعرفة – بل وحتى الحق في الحياة – يصبح قابلًا للمساومة عندما يُنظر إلى الفرد باعتباره خللًا في ميزان القوة.
3. المؤسسة مقابل الضحية – Spotlight
يقدّم هذا الفيلم النموذج الأكثر وضوحًا للتواطؤ البنيوي. فالجريمة لا تُرتكب بالفعل فقط، بل تستمر عبر الصمت المؤسسي والاجتماعي. الجميع يعلم، لكن أحدًا لا يتحرك. تتحول هيبة المؤسسة إلى ذريعة أخلاقية تبرر التجاهل وتؤجّل المواجهة.
المأساة أن الصمت لم يكن جهلًا، بل اختيارًا واعيًا فرضته حسابات النفوذ والخوف. وحين خرجت الحقيقة، لم يكن ذلك انتصارًا مفاجئًا للعدالة، بل نتيجة تصدّع طويل في جدار الإنكار.
4. الجزيرة كاستعارة للعزلة الأخلاقية – Blink Twice
الجزيرة هنا ليست مكانًا جغرافيًا بقدر ما هي بنية رمزية: فضاء معزول تُعلَّق فيه القيم العامة. الفردوس الظاهر يخفي اقتصادًا خفيًا للهيمنة والاستغلال. الرفاهية تؤدي وظيفة التخدير، وتخلق صمتًا اختياريًا لدى المشاركين.
السؤال الذي يطرحه العمل بحدة: هل الجريمة ممكنة بفعل الجناة وحدهم، أم أيضًا برضا الصامتين المستفيدين؟ هنا يصبح التواطؤ حالة نفسية قبل أن يكون موقفًا أخلاقيًا.
5. النخبوية والشر المؤسسي – The Ninth Gate
يتجاوز التحليل مستوى السلوك الفردي إلى تصور أعمق للسلطة. السعي نحو القوة يعيد تشكيل نظرة النخبة للآخرين: البشر لا يُرَون كذوات، بل كوسائل. عند هذه النقطة، يفقد الفعل الإجرامي صفته الشاذة ليصبح امتدادًا منطقيًا لعقيدة التفوق.
إنه المنطق ذاته الذي يحوّل الإنسان إلى سلعة، والكرامة إلى تفصيل قابل للإهمال ما دام ذلك يخدم شبكات السيطرة والرغبة.
لغز الصمت: لماذا لا يتكلم أحد؟
خلف هذه الحصون، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا يصمت الناس؟ الصمت هنا ليس غيابًا للكلام، بل صناعة متكاملة الأركان:
وهم الإجماع: عندما يصمت الجميع، يشك الفرد في إدراكه، ويفترض أن استمرار النظام دليل على شرعيته.
اقتصاد الخوف والمصلحة: الصمت هو الثمن المدفوع للبقاء داخل دائرة الرفاهية، أو لتجنّب السحق خارجها. فالمواجهة في عالم النفوذ ليست صدامات متكافئة.
حماية الرمز: يصمت الناس خوفًا من انهيار المؤسسة التي تمنحهم شعورًا بالأمان، ولو كان أمانًا زائفًا. يُقدَّم بقاء الهيكل على نصرة الضحية.
التحييد الأخلاقي: خلف الأقنعة والطقوس، يُعاد تعريف الصواب والخطأ. تُقنع الذات بأن القواعد العامة لا تنطبق على “العالم الخاص”.
الخلاصة: حين تُهزم الإنسانية
القاسم المشترك بين هذه الأعمال ليس موضوعاتها، بل البنية التي تكشفها: عالم تُقايَض فيه القيم بالمصالح، وتُعاد صياغة الأخلاق وفق موازين القوة. الجرائم الكبرى نادرًا ما تكون أسرارًا حقيقية؛ إنها غالبًا “أسرار علنية” يحرسها الخوف والتواطؤ.
الحقيقة لا تختفي لأنها مجهولة، بل لأنها غير مرغوب في رؤيتها. وعندما يصبح الصمت قاعدة، تتحول العدالة إلى استثناء، وتبدأ الحصون الأخلاقية في الانهيار من الداخل.
خاتمة
إن أخطر ما في هذه الأفلام ليس ما تكشفه من بشاعات، بل ذلك السؤال الذي تزرعه في وعينا: إذا كانت السينما قد امتلكت جرأة البوح، فكم من الحقائق لا يزال الواقع يصرّ على دفنها؟


0 التعليقات