من الجمود إلى السيولة
========
تحولات المجتمع المصري من الصلابة التقليدية إلى هشاشة المعنى
ليست المجتمعات كائنات جامدة، ولا تتحرك في التاريخ من نقطة إلى أخرى في خط مستقيم. فهي تتغير ببطء أحيانًا، وبالعنف أحيانًا أخرى، وقد تحتفظ في اللحظة نفسها ببقايا عالم قديم، وهي تحمل داخلها بذور عالم جديد.
ومن هنا فإن محاولة فهم التحول المصري الحديث لا ينبغي أن تنشغل فقط بالسؤال: **متى بدأ التغيير؟** وإنما بالسؤال الأعمق: **ماذا حدث للبنية التي كانت تمنح المجتمع تماسكه كلما دخلت عليه موجة جديدة من التحول؟**
يمكن النظر إلى التاريخ المصري الحديث، من هذه الزاوية، باعتباره مسارًا طويلًا انتقل فيه المجتمع تدريجيًا من حالة من **الصلابة الاجتماعية** إلى حالة من **السيولة الاجتماعية**.
والمقصود بالصلابة هنا ليس أن المجتمع القديم كان مثاليًا، ولا أنه كان خاليًا من الظلم أو التناقض أو الجمود. على العكس، كان عالمًا شديد التراتب، تحكمه سلطة العائلة، والمكانة الاجتماعية، والتقاليد، والمؤسسات الدينية، والحرفة، والجيرة، والانتماء المحلي.
لكنه، رغم كل عيوبه، كان عالمًا يمتلك قدرة عالية على تعريف الإنسان: يعرف الفرد من هو، وإلى أي جماعة ينتمي، وما المتوقع منه، وما الذي ينبغي أن يفعله، وما الذي يعتبره المجتمع صوابًا أو خطأ.
أما السيولة فهي شيء مختلف. إنها الحالة التي تفقد فيها الروابط قدرتها القديمة على الإلزام، وتصبح القيم أكثر قابلية للتفاوض، والهويات أكثر قابلية لإعادة التعريف، والعلاقات أكثر سرعة في التشكل والانهيار، بينما لا يكون البديل الجديد قد اكتسب بعدُ القدر نفسه من الرسوخ.
ومن هنا فإن القضية ليست أن **القديم كان صالحًا والجديد فاسدًا**؛ فهذا تبسيط يفسد الفكرة من أساسها.
القضية أن المجتمع قد يمر بمرحلة خطرة حين يتم تفكيك البنى التي كانت تمنحه التماسك، من دون أن تنجح البنى الجديدة في إنتاج معنى بديل ومستقر.
وهذه، في تقديري، إحدى أكثر الزوايا إثارة للتأمل في تاريخ مصر الحديث.
---
## الصدمة الأولى: حين اصطدم العالم المغلق بعالم آخر
تمثل الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 لحظة شديدة الدلالة في هذا المسار، ليس لأنها كانت أول اتصال بين مصر والعالم الخارجي، فذلك غير صحيح تاريخيًا، وإنما لأنها جسدت، بصورة مكثفة وصادمة، **اختلافًا هائلًا في أدوات القوة والمعرفة والتنظيم**.
جاء الفرنسيون بالمدفع والجيش المنظم، لكنهم جاءوا كذلك بالمطبعة، وبالعلماء، وبمحاولة رسم المجتمع ووصفه وفهمه بأدوات معرفية جديدة.
وللمرة الأولى وجد المصري نفسه، على نحو مكثف، أمام نموذج لدولة ومجتمع يقدمان صورة مختلفة جذريًا عن الطريقة التي اعتاد أن يرى بها السلطة والمعرفة والعالم.
كانت الصدمة إذن مزدوجة: عسكرية من جهة، ومعرفية من جهة أخرى.
والأهم أن أثر الصدمة لم ينتهِ بخروج الفرنسيين. فقد انفتح منذ ذلك الوقت باب جديد في الوعي المصري:
**إذا كان العالم يمكن أن يكون مختلفًا إلى هذا الحد، فهل الطريقة التي نعيش بها هي الطريقة الوحيدة الممكنة؟**
وهذا السؤال، في حد ذاته، كان بداية كبرى.
فالمجتمعات التقليدية لا يحكمها فقط ما تؤمن به، وإنما يحكمها أيضًا اعتقادها بأن ما هو قائم هو، إلى حد بعيد، ما ينبغي أن يكون.
وعندما يصبح الواقع نفسه موضع مقارنة، تبدأ المسافة بين «ما هو كائن» و«ما يمكن أن يكون» في الاتساع.
ثم جاء صعود محمد علي وما تبعه من إعادة بناء للجيش والدولة والتعليم والإدارة والاقتصاد، فانتقل التغيير من مجرد صدمة خارجية إلى **مشروع داخلي لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع**.
وهنا بدأت مصر تدخل، على نحو أكثر انتظامًا، في عالم الحداثة السياسية والإدارية.
---
## من استيراد العلوم إلى استيراد الأسئلة
لم تكن بعثات محمد علي إلى أوروبا مجرد رحلة لجلب المعرفة التقنية. فقد عاد المبعوثون، إلى جانب ما حملوه من علوم وخبرات، بأسئلة جديدة عن الدولة والتعليم والمجتمع والثقافة وطبيعة الإنسان.
وهنا يظهر أحد القوانين العميقة في عمليات التحديث:
**لا يمكن استيراد الأدوات دون أن تتسلل معها، بدرجات متفاوتة، الأسئلة التي أنتجت هذه الأدوات.**
فالآلة ليست مجرد آلة، والمدرسة ليست مجرد مبنى، والقانون ليس مجرد نص. وراء كل مؤسسة تصور للإنسان وللسلطة وللمجتمع.
ومع اتساع حركة الترجمة والتعليم والصحافة، وظهور طبقات جديدة من المتعلمين، ثم تزايد الاحتكاك بأوروبا، بدأ المجال العام المصري يعرف مفاهيم لم تكن مألوفة بالصياغة نفسها من قبل: الدستور، والحرية، والمواطنة، والتمثيل، والإصلاح، والتقدم.
وبالتوازي، لعبت الهجرات الشامية دورًا مهمًا في الحياة الثقافية والصحفية المصرية، خصوصًا مع نمو الصحافة والطباعة والنشر.
لكن من الخطأ اختزال كل هذه التحولات في مؤامرة فكرية واحدة أو اعتبار كل وافد ثقافي عملية هدم متعمدة للتراث.
**التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.**
فالذي حدث في الحقيقة كان شيئًا أعمق: **دخلت إلى المجتمع المصري مصادر جديدة لتعريف الحقيقة والسلطة والإنسان.**
وهنا بدأت المرجعية الواحدة تتراجع لحساب تعدد المرجعيات.
وللمرة الأولى بصورة واسعة، لم يعد السؤال فقط:
«ماذا يقول الموروث؟»
وإنما أصبح أيضًا:
«ماذا يقول العقل؟ ماذا تقول أوروبا؟ ماذا يقول القانون؟ ماذا تقول الصحافة؟ ماذا يقول العلم؟ وماذا يريد الفرد نفسه؟»
ومن هذا التعدد ولدت إمكانات هائلة للتحرر والتجديد، لكنها حملت معها كذلك أول بذور الصراع على المرجعية.
---
## الثورة والجمهورية: حين أصبحت الدولة مهندسًا للمجتمع
جاءت ثورة يوليو 1952 فغيّرت ليس فقط شكل السلطة، وإنما جانبًا كبيرًا من البنية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت قد تشكلت قبلها.
إلغاء الملكية، والإصلاح الزراعي، وتأميم قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتوسيع التعليم، وبناء جهاز الدولة، وصعود خطاب العدالة الاجتماعية؛ كل ذلك لم يكن مجرد إجراءات سياسية، بل كان **مشروعًا لإعادة ترتيب المجتمع نفسه**.
كان الهدف، ضمنيًا وصريحًا، صناعة مجتمع جديد.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية.
فالدولة الحديثة تستطيع أن تغير المؤسسات بسرعة، لكنها لا تستطيع بالسرعة نفسها أن تغير الوعي والعادات وأنماط السلوك المتراكمة عبر أجيال.
ولهذا نشأ تناقض بين مجتمع تتحرك مؤسساته من أعلى بسرعة، ومجتمع يحمل في داخله طبقات كثيفة من الموروث الاجتماعي.
نجحت الجمهورية في أشياء هائلة: وسعت قاعدة التعليم، وفتحت أبواب الحراك الاجتماعي، وأتاحت شرائح واسعة من أبناء الطبقات الشعبية الوصول إلى وظائف ومواقع لم تكن متاحة لهم من قبل.
لكنها، في الوقت نفسه، عززت مركزية الدولة إلى حد جعل الدولة طرفًا أساسيًا في تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي.
وهكذا لم تعد الأسرة والمجتمع المحلي والمؤسسة الدينية والحرفة وحدها تصوغ الإنسان؛ أصبحت الدولة كذلك لاعبًا ضخمًا في صياغة صورته عن نفسه وعن مجتمعه.
لقد تغيرت موازين القوة، لكن السؤال الأهم بقي مفتوحًا:
**ماذا يحدث عندما ينجح النظام في هدم عالم اجتماعي قديم، لكنه لا يستطيع أن يجعل العالم الجديد بديلًا مكتملًا عنه؟**
---
## 1967: حين اهتزت الثقة في النموذج
كانت هزيمة يونيو 1967 أكثر من هزيمة عسكرية.
كانت **لحظة انكشاف**.
فقد كشفت الحرب فجوة مؤلمة بين الصورة التي صنعتها الدولة عن قوتها وبين الواقع الذي ظهر على الأرض. ومن الطبيعي أن تؤدي مثل هذه اللحظات إلى أزمة ثقة في الأفكار والمؤسسات والخطابات التي كانت تبدو، حتى ذلك الحين، أكثر صلابة.
لم يكن المجتمع يبحث فقط عن تفسير للهزيمة؛ كان يبحث عن تفسير لنفسه.
هل المشكلة في النظام السياسي؟
هل المشكلة في الاشتراكية؟
هل المشكلة في غياب الديمقراطية؟
هل المشكلة في البعد عن الدين؟
هل المشكلة في بنية الدولة نفسها؟
وهكذا دخل المجتمع مرحلة من إعادة البحث عن المرجعية.
ومن بين النتائج المهمة لهذه المرحلة تصاعد حضور التيارات الإسلامية خلال العقود التالية، إلى جانب تيارات سياسية وفكرية أخرى.
ولم يكن هذا الصعود مجرد رد فعل آلي على هزيمة عسكرية، بل جاء نتيجة تراكم طويل من العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية.
لكن المهم في سياق هذا المقال هو أن **المرجعية الكبرى بدأت تفقد احتكارها**.
لم يعد المجتمع يعيش داخل تصور واحد للمستقبل.
**صار المستقبل نفسه موضوعًا للصراع.**
---
## أكتوبر والانفتاح: حين تغير مقياس النجاح
جاء انتصار أكتوبر 1973 ليعيد قدرًا من الثقة إلى الروح المصرية، لكنه تزامن لاحقًا مع تحولات اقتصادية وسياسية كبرى، كان الانفتاح الاقتصادي أبرزها.
وهنا حدث تحول لا يقل أهمية عن التحولات السياسية السابقة: تغيرت، تدريجيًا، صورة النجاح الاجتماعي.
في مرحلة سابقة كان الصعود الاجتماعي يرتبط في الوعي العام بالتعليم، والوظيفة، والانضباط، والخدمة العامة، والمكانة المهنية.
أما مع التحولات الاقتصادية الجديدة، فقد اكتسب المال السريع، والوساطة، والتجارة، والقدرة على اقتناص الفرص أهمية متزايدة.
ولم يكن الانفتاح وحده سببًا في ظهور هذه الظواهر، كما لا يصح تحميله وحده مسؤولية كل ما حدث لاحقًا. لكن المرحلة أسهمت في انتقال المجتمع من منظومة كانت **تمنح القيمة للإنتاج والمكانة الاجتماعية** إلى منظومة أخذت تمنح مساحة أكبر **للاستهلاك والقدرة المالية**.
وهنا بدأت الطبقة الوسطى تدخل امتحانًا طويلًا.
فالطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة دخل؛ إنها، في أي مجتمع، حاملة لقدر كبير من اللغة والتعليم والانضباط المهني والطموح المؤسسي.
وعندما تضيق هذه الطبقة أو تتعرض لضغوط اقتصادية طويلة، لا يخسر المجتمع مستوى من الدخل فقط؛ بل يخسر جزءًا من **الوسيط الذي ينقل القيم بين الطبقات والأجيال**.
ومن هنا بدأ المال يتحول، شيئًا فشيئًا، من وسيلة إلى معيار.
---
## مبارك: استقرار سياسي وسيولة اجتماعية
مع عهد حسني مبارك دخلت مصر مرحلة طويلة من الاستقرار السياسي النسبي، لكن الاستقرار السياسي لم يعنِ بالضرورة استقرارًا اجتماعيًا.
فخلال العقود اللاحقة تراكمت مشكلات اقتصادية وتعليمية وإدارية، وتوسعت الفجوة بين قطاعات مختلفة من المجتمع، واستمر تضخم الجهاز الإداري، بينما اتسعت مساحات الفساد والمحسوبية والوساطة.
والأهم أن الدولة بدت، في كثير من الأحيان، قادرة على إدارة الأزمات أكثر من قدرتها على إنتاج مشروع اجتماعي جامع.
وهنا تظهر مفارقة أخرى:
**يمكن للمجتمع أن يكون مستقرًا ظاهريًا، بينما تكون بنيته الداخلية في حالة تغير عميق.**
في هذه الفترة تغيرت الأسرة نفسها تحت ضغط المدينة، والتعليم، والهجرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير سوق العمل، وتزايد مشاركة المرأة في المجال العام، وتحول أنماط السكن والزواج.
ولذلك فإن القول بأن الأسرة كانت «هدفًا» وحيدًا لسياسات أو أفكار بعينها قد يكون أقل دقة من القول إن الأسرة كانت **تتعرض لضغوط تاريخية متعددة من الداخل والخارج في الوقت نفسه**.
وهذا التمييز مهم.
لأن الأسرة لم تتغير فقط بسبب الأفكار القادمة من الخارج؛ تغيرت أيضًا لأن المجتمع نفسه تغير.
---
## يناير: انفجار التناقضات
ثم جاءت ثورة يناير 2011.
لم تكن يناير مجرد لحظة سياسية؛ كانت انفجارًا لطبقات متراكمة من الغضب والأمل والطموح والرفض.
كان فيها الشباب الذي يريد الحرية، والعامل الذي يريد العدالة، والمواطن الذي يريد دولة أكثر كفاءة، والمعارض الذي يريد إنهاء الاستبداد، والإسلامي الذي يرى فرصة تاريخية، والليبرالي الذي يرى بداية جمهورية جديدة.
كانت يناير، بهذا المعنى، **أكبر من أن تنتمي إلى تيار واحد**.
لكن هذا الاتساع نفسه كان مصدر قوتها ومصدر ضعفها في الوقت نفسه.
فحين سقطت صورة النظام القديم، ظهرت مباشرة الأسئلة التي كان يخفيها الاستقرار السياسي:
من يحكم؟
ما شكل الدولة؟
ما موقع الدين؟
ما حدود الحريات؟
ما معنى المواطنة؟
من يملك الشرعية؟
وهل الديمقراطية مجرد صندوق انتخاب، أم أنها ثقافة ومؤسسات وقواعد حياة؟
لم تستطع القوى السياسية المختلفة أن تقدم إجابة مشتركة.
وبدل أن تتحول لحظة الانفجار إلى عقد اجتماعي جديد، دخل المجتمع في استقطاب حاد، انتهى إلى سقوط حكم الإخوان المسلمين في 2013 ثم إعادة تأسيس النظام السياسي في السنوات التالية.
وهنا وصل مسار التفكك إلى مرحلة أكثر تعقيدًا.
---
## ما بعد 2014: عندما أصبحت السرعة نفسها قوة اجتماعية
بعد 2014 لم تعد الدولة وحدها هي التي تعيد تشكيل المجتمع.
دخل عامل جديد، أكثر قوة وأقل قابلية للسيطرة:
**الرقمنة.**
الهاتف المحمول، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، ثم المنصات الرقمية، غيرت ليس فقط طريقة وصول الناس إلى المعلومات، وإنما طريقة تكوين الرأي والهوية والعلاقات.
في الماضي كان الفرد يعيش داخل دوائر اجتماعية متداخلة: الأسرة، المدرسة، الحي، العمل، المسجد أو الكنيسة، النادي، الجماعة المهنية.
أما اليوم فقد يستطيع الإنسان أن يعيش في الوقت نفسه داخل عشرات العوالم الرمزية التي لا يعرف معظم أفرادها بعضهم بعضًا.
وهنا تظهر السيولة بأوضح صورها.
لم تعد السلطة الاجتماعية تأتي فقط من الأب أو المدرس أو الشيخ أو المدير أو كبير العائلة.
هناك مؤثر رقمي.
وهناك «تريند».
وهناك رأي عام يتشكل خلال ساعات ثم يختفي.
وهناك قيمة أخلاقية يمكن أن تتحول إلى مادة للسخرية، أو إلى حملة تضامن، أو إلى سلعة إعلامية، في دورة زمنية قصيرة للغاية.
لقد أصبحت **السرعة نفسها عاملًا في صناعة القيمة**.
وهذه نقطة فارقة.
ففي المجتمع التقليدي كان الشيء يكتسب شرعيته من استمراره.
أما في البيئة الرقمية، فقد يكتسب الشيء شرعيته من انتشاره.
وهنا يتغير السؤال من:
**هل هذا صحيح؟**
إلى:
**هل هذا منتشر؟**
ومن:
**هل هذا جيد؟**
إلى:
**هل هذا رائج؟**
وهذا التحول، في جوهره، أخطر من مجرد انتشار التكنولوجيا؛ لأنه يمس الطريقة التي نمنح بها الأشياء قيمتها.
---
## العلمانية ليست هي السيولة
ومن الضروري هنا التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان: **العلمانية والسيولة**.
العلمانية، في معناها الواسع، تتعلق بعلاقة الدين بالدولة والمجال العام ومصادر التشريع والسلطة.
أما السيولة فهي وصف لتحول الروابط والهويات والقيم والمؤسسات من أشكال أكثر ثباتًا إلى أشكال أكثر مرونة وتغيرًا.
قد تكون هناك مجتمعات علمانية لكنها شديدة التماسك الأسري والمؤسسي.
وقد توجد مجتمعات محافظة دينيًا لكنها تعاني في الوقت نفسه من سيولة اقتصادية أو اجتماعية شديدة.
لذلك فإن المشكلة ليست في أن «العلمانية» تفسر كل شيء.
المشكلة الأعمق هي **تعدد المرجعيات وتراجع المرجعية المشتركة من دون نشوء بديل قادر على إنتاج قدر كافٍ من الاتفاق الاجتماعي**.
وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر عمقًا:
**إذا لم تعد الأسرة وحدها مصدرًا للمعنى، ولا المدرسة، ولا المؤسسة الدينية، ولا الدولة، ولا الجماعة المحلية، فمن أين يحصل الإنسان على تعريفه لنفسه؟**
---
## من المجتمع إلى الفرد
ربما يكون هذا هو التحول الأكبر كله.
ففي العالم القديم كان الإنسان يُعرَّف إلى حد كبير من خلال علاقاته:
ابن فلان.
من عائلة كذا.
من قرية كذا.
من مهنة كذا.
من جماعة كذا.
أما الإنسان الحديث، وبصورة أكثر وضوحًا في العصر الرقمي، فيُطلب منه أن يصنع تعريفه بنفسه.
وهذه الحرية عظيمة من ناحية.
لكنها مرهقة من ناحية أخرى.
فالإنسان الذي يتحرر من كل تعريف سابق لا يصبح بالضرورة أكثر حرية؛ فقد يصبح أيضًا **أكثر قلقًا بشأن من يكون**.
وهنا يمكن فهم جزء من ظواهر عصرنا: البحث المستمر عن الهوية، والهوس بالصورة الشخصية، والرغبة في الاعتراف، والحاجة إلى المتابعين، وتبدل المواقف بسرعة، وتحول الرأي إلى جزء من الهوية.
الفرد لم يعد فقط يعيش حياته؛ أصبح مطالبًا أيضًا **بإخراج حياته وعرضها وتحديثها باستمرار**.
وهكذا تحولت الذات نفسها إلى مشروع دائم لإعادة البناء.
---
## السيولة ليست انهيارًا كاملًا
ومع ذلك، فإن وصف التحول كله بأنه «انهيار» سيكون خطأ آخر.
فالسيولة تحمل وجهًا تحرريًا أيضًا.
لقد أتاحت للفرد أن يخرج من بعض القيود التي كانت مفروضة عليه باسم العائلة أو الطبقة أو المكان أو المهنة. وأعطت المرأة مساحات أوسع من الحركة، وأتاحت للشباب الوصول إلى المعرفة، وكسرت احتكار المؤسسات للمعلومة، وسمحت لأصوات كانت مهمشة بأن تصبح مسموعة.
إذن ليست المسألة أن الماضي كان جنة وأن الحاضر جحيم.
المسألة أكثر تعقيدًا:
**كلما تحرر الإنسان من قيد، احتاج إلى إطار جديد يحمي حريته من أن تتحول إلى ضياع.**
وهذه هي المعضلة الحقيقية.
فالحرية من دون مؤسسات قد تتحول إلى فوضى.
والتقاليد من دون مراجعة قد تتحول إلى جمود.
والحداثة من دون جذور قد تتحول إلى اقتلاع.
والتراث من دون قدرة على التجدد قد يتحول إلى متحف.
---
## من الجمود إلى السيولة: ماذا حدث إذن؟
إذا نظرنا إلى المسار كله، فلن نجد حدثًا واحدًا يمكن تحميله مسؤولية التحول.
لم تبدأ القصة مع نابليون، ولم تنتهِ مع يناير، ولم تصنعها الدولة وحدها، ولا الغرب وحده، ولا الإعلام، ولا الاقتصاد، ولا التكنولوجيا.
الذي حدث هو **تراكم تاريخي طويل**:
صدمة حضارية.
ثم بناء دولة حديثة.
ثم تعليم وترجمة وصحافة.
ثم تحولات سياسية واجتماعية كبرى.
ثم إعادة توزيع للثروة والسلطة.
ثم هزيمة وأزمة معنى.
ثم تغير اقتصادي عميق.
ثم ضغوط طويلة على الطبقة الوسطى والأسرة.
ثم انفجار سياسي.
ثم ثورة رقمية جعلت سرعة التغير أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على الاستيعاب.
وهكذا انتقل المجتمع، خطوة بعد أخرى، من عالم كانت فيه الروابط الاجتماعية شديدة الصلابة إلى عالم أصبحت فيه الروابط أكثر قابلية لإعادة التشكيل.
لكن المفارقة الكبرى أن **الإنسان لم يتوقف عن حاجته إلى الصلابة**.
فمهما تغيرت التكنولوجيا، ومهما تعددت الحريات، ومهما اتسعت الخيارات، يظل الإنسان محتاجًا إلى شيء يجيبه عن الأسئلة القديمة نفسها:
**من أنا؟**
**إلى أين أنتمي؟**
**ما الذي يستحق التضحية؟**
**ما الذي لا يجوز فعله حتى لو كان ممكنًا؟**
**من أحب؟**
**ولماذا أتحمل مسؤولية شخص آخر؟**
**وما الذي يجعل حياتي ذات معنى؟**
وهنا تكمن المعضلة المصرية المعاصرة، وربما المعضلة الإنسانية الأوسع:
**لقد أصبحنا نملك خيارات أكثر، لكننا لا نملك بالضرورة معنى أكثر.**
---
## الخاتمة: هل نحتاج إلى العودة أم إلى إعادة البناء؟
ليس الحل في العودة المستحيلة إلى الماضي.
فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، والمجتمع الذي تغير لا يمكن إعادته إلى نقطة سابقة كأن العقود لم تمر.
وليس الحل كذلك في الاستسلام للسيولة باعتبارها قدرًا نهائيًا لا يمكن مقاومته.
المطلوب ربما شيء ثالث:
# إعادة بناء الصلابة على أساس جديد
صلابة لا تعني القمع، ولا تعني إلغاء الاختلاف، ولا تعني فرض نموذج واحد على الجميع.
صلابة تعني مؤسسات يثق بها الناس.
تعني أسرة قادرة على الاستمرار دون أن تكون سجنًا.
تعني تعليمًا يصنع إنسانًا لا مجرد حامل شهادة.
تعني قانونًا يطبق على الجميع.
تعني اقتصادًا يكافئ العمل لا الفهلوة.
تعني حرية لا تنفصل عن المسؤولية.
وتعني حداثة لا تشعر الإنسان بالخجل من جذوره، وتراثًا لا يخاف من الأسئلة الجديدة.
فالمشكلة لم تكن يومًا أن المجتمع تغير.
**المشكلة أن سرعة التغيير قد تتجاوز أحيانًا قدرة المجتمع على إعادة تعريف نفسه.**
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس:
**هل نعود إلى الماضي أم نذهب إلى المستقبل؟**
بل:
# أي مستقبل نريد؟
لأن المجتمع الذي يفقد كل أشكاله القديمة من الصلابة، من دون أن يبني أشكالًا جديدة، لا يصبح بالضرورة أكثر حرية.
قد يصبح فقط أكثر سيولة.
والسيولة، مهما بدت خفيفة ومتحركة ومتحررة، لا تستطيع أن تبني بيتًا.
أما الإنسان، في النهاية، فلا يستطيع أن يعيش طويلًا بلا بيت؛ بيت مادي يسكنه، وبيت اجتماعي ينتمي إليه، وبيت معنوي يعرف داخله من يكون.


0 التعليقات