"سارق الفرح".. عن ذكورةٍ هشّة وفرحٍ مستحيل

 "سارق الفرح".. عن ذكورةٍ هشّة وفرحٍ مستحيل

-----------------------------------------------
في فيلمه المثير للجدل "سارق الفرح"، لا يقدم داود عبد السيد سينما تقليدية، بل يضعنا أمام "مختبر إنساني" شديد القسوة. الفيلم في جوهره هو عملية تفكيك للصورة الرومانسية التي رسمها المثقفون عن "المهمشين"، كاشفاً عن هوة سحيقة بين ما يُكتب في صالونات النخبة وبين واقع بشر يعيشون خارج الزمن وفي قاع المدينة.
أولى ثنايا التحليل تبدأ من تفكيك فكرة "البطل القدوة". فالمثقفون رسموا نموذجاً "للجدعنة" والشهامة الفطرية، لكن الفيلم يكشف زيف هذه الصورة؛ لأنها ببساطة لم تلامس هؤلاء الناس. نحن هنا أمام مجتمع أقرب إلى "الإنسان الأول"، كائنات معزولة عن أي مرجعيات دينية أو أخلاقية أو قانونية، تعيش على هامش المدينة دون أن تنتمي إليها. هؤلاء هم "السريحة"، بائعو الإشارات الذين يقتاتون على اليوم بيومه، بلا ماضٍ يُستند إليه ولا مستقبل يُخطط له، بل تحكمهم غريزة البقاء وحدها.
ويضعنا العمل أمام تفرقة حادة بين "الذكورة" و"الرجولة". الأبطال هنا ذكور يمارسون سلطة قاسية تعويضية ناتجة عن شعور دفين بالنقص. وعندما تُواجه هذه الذكورة بالصدق، تنفجر عنفاً وإنكاراً؛ كما يتجلى في مشهد العريس الذي ينهال بالضرب على عروسه حين تصارحه بحقيقتها، رغم أنه يعيش من مال ساقط. إنها ذكورة هشة تخشى المواجهة، لأن الحقيقة تفضح خواءها. ولعل مشهد "ربط الحبيب" يجسد هذه الحالة بوضوح؛ فالرجل هنا كائن مساق بغرائزه، لا يُوثق به إلا مقيداً، لأنه يفتقد إلى جوهر الرجولة القائم على المسؤولية والاحتواء.
في قلب هذا العالم القاسي، تبرز شخصية "نوال" التي جسدتها عبلة كامل. نوال، رغم تصنيفها الاجتماعي كـ"عاهرة"، تظهر كأكثر الشخصيات صدقاً وإنسانية. لا تدّعي الطهر ولا تتخفى خلف أقنعة، بل تواجه نفسها والعالم بحقيقتها الكاملة. حين اشترت فستاناً بمبلغ كبير بالنسبة لها، لم تكن تشتري قطعة قماش، بل كانت تحاول اقتناص لحظة إنسانية خالصة، لحظة فرح حقيقية وسط عالم زائف. نوال هنا تبدو "أرجل" من كل الذكور حولها، لأنها الوحيدة التي تمتلك شجاعة الصدق وقدرة العطاء.
ويطرح الفيلم أيضاً قضية "التعري" باعتباره قراراً ذاتياً لا قيمة مفروضة. حين ترفض النساء نظرات التلصص، فهن لا يدافعن عن أخلاق موروثة بقدر ما يدافعن عن حقهن في الاختيار. الجسد هنا يصبح مساحة للسيادة الشخصية، لا ساحة للانتهاك.
ومع كل هذا البناء الفكري العميق، تظهر إشكالية التنفيذ. فبينما يحمل الفيلم رؤية فلسفية حادة ومتماسكة، إلا أن تجسيد هذه الرؤية سينمائياً لم يكن دائماً على نفس المستوى. في بعض اللحظات، تطغى الفكرة على الصورة، فيفقد المشهد انسيابه الطبيعي لصالح خطاب مباشر. وهذه نقطة تُحسب على المخرج داود عبد السيد نفسه، لا على أداء الممثلين، الذين قدموا أدوارهم بصدق واضح. الخلل هنا ليس في التعبير، بل في كيفية إدارة الفكرة بصرياً داخل العمل.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الفيلم أحياناً يقترب من "التنظير" أكثر من كونه تجربة سينمائية مكتملة، حيث تسبق الفكرةُ الصورةَ، بدلاً من أن تتجسد من خلالها. وهو ما يخلق فجوة بين قوة الطرح وضعف التحقق البصري له في بعض المشاهد.
في النهاية، "سارق الفرح" ليس فيلماً عن الفرح بقدر ما هو فيلم عن استحالته. عن عالم فقد القدرة على إنتاج معنى حقيقي للحياة، حيث يتحول الإنسان إلى كائن يلهث خلف لحظة عابرة، يدرك في قرارة نفسه أنها لن تدوم.

أُنسي أبو سيف: نحات القاع

ولا يستقيم هذا التحليل دون الإشادة بعبقرية أُنسي أبو سيف، الذي لم يصمم ديكوراً، بل نحت "جغرافيا للبؤس". لقد حول المكان إلى بطل يجسد فلسفة الفيلم؛ فالحارات المختنقة والجدران المتآكلة كانت المرآة التي عكست عري النفوس وذكورتها الهشة. أُنسي هو من منح "مختبر" داود عبد السيد واقعيته الخشنة، محولاً الأفكار الذهنية إلى "قبح" بصري ناطق بالحقيقة.


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

مولانا تصميم ahmad fathi © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.