حين أخطأ الرقم... وأصاب الجرح

 حين أخطأ الرقم... وأصاب الجرح

============



بدأت الحكاية بمكالمةٍ خاطئة رنّ فيها هاتف حسن، وما إن ردّ حتى انطلقت امرأة في الطرف الآخر تسبّ وتصرخ بانفعالٍ شديد وهي تقول: "يا أحمد! أنت عملت وعملت... أنا مش مصدقة!"، فتركها حسن تتكلم بهدوئهِ المعهود حتى أفرغت كل ما في صدرها، ثم قال بصوتٍ ثابت: "يا بنتي، اهدئي خالص... قومي دلوقتي خدي دش دافئ، واشربي كوباية لبن، ونامي، وبكرة نتكلم"، فساد صمتٌ قصير قبل أن تغلق الخط. وفي اليوم التالي، اتصلت به مرة أخرى، وجاءها صوته هادئًا حين قالت بنبرة خجل ممزوجة بالدهشة: "أنا صاحبة مكالمة امبارح، بس لازم أفهم، إزاي هديتني كده؟ أنا كنت في حالة هستيرية"، فابتسم حسن وقال لها: "ولا حاجة... مجرد إنسانة كانت متعصبة، وخفت عليها". حينها عرفت نفسها بأنها "هبة"، دكتورة في أكاديمية الفنون، فعرّفها بنفسه بأنه "حسن، محاسب على المعاش"، فضحكت وقالت إن ما فعله لا يوحي أبدًا بأنه محاسب، ليرد عليها: "يمكن الحسابات علمتني أن كل شيءٍ له سبب".
سكتت لحظة ثم طلبت أن يتحدثا قليلًا، فوافق لكنه أراد أن يكمل الصورة الذهنية عنها، فسألها فجأة إن كانت ذاهبة في موعد، وإن كان الرجل قد اعتذر قبل الموعد ببرهة، وإن كان متزوجًا، وحين أجابت بالإيجاب على كل شيء، طلب منها أن تكمل. سألته عن عمره فأخبرها أنه في الثالثة والستين، فضحكت بخفة، ثم بدأت هبة تحكي بنبرةٍ مثقلة أنها ناجحة جدًا في عملها وعلميًا، لكنها في العلاقات "صفر"، تتساءل لماذا وهي الجميلة والطيبة، فبدأ حسن يحلل معها "هبة الصغيرة"، تلك الطفلة في البيت المتوسط التي قررت أن تكون الأولى دائمًا، وسألها إن كانوا في هذا الطريق قد نسوا "هبة الإنسانة"، فانخفض صوتها وهي تعترف بأنها ربما لم تكن تعرف نفسها أصلًا، ليوضح لها أنها عاشت مراحل عمرها دون أن تعيشها، فطفولتها سرقتها المذاكرة، ومراهقتها ضاعت، وشبابها استنزفه العمل.
تابعت هبة تعترف بأنها بعد تعيينها بدأت تلمس نظرات الإعجاب، وتزوجت رجلًا بدا محترمًا لكنه كان ساديًا، وانتهى الأمر بالطلاق، ثم اهتمت بشكلها حتى التقت بـ "أحمد"، وهنا تغير صوتها؛ فقد كلمها باحترام حسسها فيه بكيانها الإنساني لا الأنثوي فقط، فأحبته رغم علمها بأنه متزوج، وتطورت العلاقة بينهما، لكنها أصبحت تشعر مؤخرًا بأنها مجرد محطة يفرغ فيها طاقته ويعود لبيته، ومع ذلك ظلت صابرة لأنها تحبه. سكت حسن طويلًا حتى سألته بحدة عن سر صمته، فأخبرها بصراحة صادمة أن هذا ليس حبًا، بل هو تعويض للطفلة والمراهقة والزوجة التي أهينت، وأن الحب الحقيقي حضورٌ متبادلٌ واحترامٌ وكرامة، بينما ما لديها هو احتياجٌ متراكمٌ يرتدي ثوب الحب، وحين سألته عن سبب غضبها بالأمس، أخبرها أنها لم تتوجع من الفقد بل من الإهانة، وأنها تنتقم من نفسها قبل أن تنتقم من غيرها، ولما صرخت تنفي ذلك، قال لها بوضوح إن دفاعها السريع دليلٌ على أن كلامه لمس الحقيقة.
بعد صمت طويل، سألته بضعف عن الحل، فأخبرها أن الحل هو أن نعود لنربي أنفسنا من جديد، وأن نعطي لكل عمرٍ فاتنا حقه من اللعب والفرح والتصالح مع الطفل الذي بداخلنا، فعندما تكتمل النفس من الداخل، لن تحتاج لأحمد أو غيره، وساعتها فقط، إن دخل الحب حياتك، ستعرفه بحقيقته وتكتشف فيه نفسك. أغلقت هبة الخط ببطء، ووقفت أمام المرآة طويلًا، ولأول مرة منذ سنوات، لم تكن تبحث عن وجهٍ جميل، بل كانت تبحث عن تلك الروح التي تاهت في زحام الاحتياج، لتبدأ أول خطوة في رحلة حب النفس الحقيقية.
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

مولانا تصميم ahmad fathi © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.