سجينةُ صوتي

 سجينةُ صوتي

========



في لحظة صفا، أردتُ أن أنام.. ولكن، استدعى عقلي كل من عرفتُ في عمري كله من بنات حواء. أرادت الأخيرة أن تكون هي من تتحدث معي، ولكنني أبيت؛ أردتُ أن يختاروا هن. و تسابق الكل على الحديث، إلا الأولى.. ظلت ساكنة في زاوية الذاكرة، صمتها كان له هيبة استفزتني، فأشرتُ إليها هي دون غيرها.. سألتها"يا ترى لسه فاكراني.. ولا نسيتي؟".

قالت بهدوء غريب: "أنا هفكرك بموقف، مش عارفة أنت فاكره ولا لا.. فاكر لما كنت بتصل بيك بس عشان أسمع صوتك وأنت بتتكلم؟ كنت بتفضل تتكلم لمده ساعة أو ساعتين بعفوية تامة وأنا مش بنطق بحرف.. فاكر؟ كونك كنت بتسترسل في الكلام مع صمتي ده وتنسى نفسك، كان هو الإجابة الكافية

سكتت لحظة وكملت: "المسافة بينا كانت بعيدة، والسنين كانت طويلة وتقيلة.. بس أنا كنت حزينة لبعُدك وفي نفس الوقت كنت سعيدة إني خرجت من حسابك.. أو بمعنى أصح وبكل صراحة، إني خرجت من حصارك".

لما استغربتُ كلمة "حصار" وظهرت ملامح الدهشة على وشي، قالت بصدق يوجع: "أيوه حصار.. أنا كنت بشوفك رؤية عين وسماع في وسط أوضتي،مش مجرد خيال لا رؤية بالعين كنت بحس بيك رقيب عليا في كل لحظة، في كل تفصيلة. لدرجة إن والدتي لما جابت لي بيجامة بناتي ولبستها، سمعت صوتك في ودني بوضوح بيقولي (ما يصحش تلبسي كده)، فخلعتها فوراً وخبيتها وأنا مخضوضة ومرعوبة.. كنت ساكن جوايا 24 ساعة رغم إنك مش موجود جسدياً، كنت محتجزاني جواك".

قلتُ لها بإنكار ودهشة، وأنا بحاول أرجعها لأرض الواقع: "يا ستي إيه الكلام الكبير ده؟ أنا ماليش ذنب في كل ده.. أنا لا من أهل الخطوة ولا درويش ولا ساحر.. أنا إنسان بسيط ممكن أكون قاعد مع صحابي بنلعب أو بنهزر ومخي مش معاكي أصلاً.. إزاي بتقولي إني كنت بحاصرك وأنا مش موجود؟ إزاي تلبسي عليا ذنب مش ذنبي؟".

ردت وكأنها بتشرح حالة ميتافيزيقية: "الموضوع مش سحر ولا دروشة، الموضوع هو (أنت).. طريقتك في الكلام دي مش مجرد كلام، دي بوابة، وبمجرد ما الطرف اللي قدامك يدخل منها بيلاقي وراها عوالم وجدران مالهاش ملامح في الأول، بتسحب الروح. تون صوتك مرعب، بيسحب اللي قدامك من الوجود كله ويدخله غصب عنه جواك. لما بتقعد تتكلم في موضوع تافه وعادي جداً زي كورة القدم مثلاً، بتجيب نقطة مفيش حد في الدنيا شافها غيرك، وبتبدأ تفككها وتحللها بتون صوت بيعلى ويوطى حسب إحساسك، مع نظرة عينك وحركة إيدك اللي بتتحرك في الهوا.. الحالة دي بتخلي اللي قدامك يطير، لا هو طايل سما ولا هو لامس أرض.. حالة مرعبة بتخلي الواحد يفقد وجوده ويتحول لحتة منك، عشان كده كان لازم أبعد عشان أتنفس".

قالت انت كاتب على الفيس: "أنت عايش في صحراء خاصة بيك، مستقل بذاتك ومستكفي بيها تماماً، والكون كله هو أنت.. هل دي نرجسية؟ هل ده إحساس مفرط بالذات؟ هل أنت شايف نفسك فوق الناس؟".

قلتُ لها بعفوية وانكسار حقيقي: "إيه اللي بتقوليه ده؟ إيه الكلام ده؟ كل ده بسبب الكارثة اللى انا عيشت فيها لمده سنة ونص ومحدش كان حاسس بيا ده أنا كان كل أمنيتي في الدنيا، وكل حلمي، إني بس أقعد أتكلم معاكي! أنتِ متخيلة يعني إيه؟ ده كان من أكتر حاجة كنت بتمناها".لما كنت معاكى ولو فاكرة لما الظروف خلتنا نبعد 76 يوم انا كان رد فعلى لما شوفتك كان ازاى

سألتها بعد صمت طويل: "طيب حبيتيني ليه مادام كنت مرعب ومحاصر ليكي كده؟". قالت بابتسامة صافية: "عشان أنت محترم قوي".وخنين والعطاء عندك بلا حدود ومشاعرك متدفقة بشكل رهيب قلتُ لها وأنا بختم المواجهة بصدق: "وأنا كمان حبيت مخك.. أنتِ عبقرية.. مبهزة.. مخك ده ذري وغير عادي.. مخك هو اللي سحرني وخلاني أشوفك من وسط كل الناس دي". 
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

مولانا تصميم ahmad fathi © 2014

يتم التشغيل بواسطة Blogger.