معركة الوعي: الفن كآلة قصف ممنهج لاغتراب القيمة
أنا لا أكتب هذا المقال من مقعد المتفرج، ولا أحمله كوجهة نظر عابرة. أنا أكتب لأن الفن صار ساحة حرب، ولأن الوعي الذي يُفترض أن يحمي الإنسان تحوّل إلى جثة تُسحب من قدميها في وضح النهار. سنوات من الاحتكاك، والانكسار، والانتظار صنعت لديّ حساسية خاصة تجاه القيمة حين تُغتال، وتجاه المعنى حين يُختطف ويُسلّم للضجيج. لم أعد أكتب ترفًا ولا هواية؛ أكتب لأنني رأيت بأمّ عيني كيف يُعاد تشكيل العقل العام ببطء، وكيف يتحوّل الفن من منارة إلى مدفع، ومن ضمير إلى مصنع للغفلة. هذه ليست مقدمة لمقال… بل لحظة إعلان موقف. فالذي يواجه تشويه الوعي لا يكتب ببرود، والذي يرى الفن يُستخدم كأداة قصف لا يكتفي بالملاحظة. وهكذا أدخل إلى موضوعي: كيف تحوّلت القوة الناعمة إلى مطرقة، والجمال إلى فخ، والإبداع إلى وسيلة محكمة لإعادة إنتاج اغتراب الإنسان عن قيمته ووعيه ومعناه.
معركة الوعي: الفن كآلة قصف ممنهج لاغتراب القيمةإلى من يظنون أن ما يُعرض عليهم "صدفة"…
إلى من يبتلعون الشاشة دون أن يدركوا أنها تبتلعهم…
إلى من يظنون أن الفن مجرد "تسلية" عابرة…
حان الوقت لقول الحقيقة كما هي، بصوت أعلى مما تحتمله آذان المراوغين:
الفن الذي يُضَخ منذ عام 1968 ليس تعبيرًا عن الواقع، بل عملية غسيل وعي واسعة النطاق، هدفها إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، واقتلاع القيم من جذورها.
نحن لا نواجه مادة ترفيه…
نحن نواجه مشروعًا قيميًا عدائيًا مُحكمًا، مصممًا بإتقان يتجاوز الممثل والسيناريست والمخرج.
إنه مشروع هندسة إدراك… يريد إنسانًا هشًا، منفلتًا، بلا مرجعية، وبلا شرف قيمي.
غرفة عمليات هندسة الإدراك: كيف تُغتال القيمة؟ما يُقدَّم على أنه “تسلية” ليس سوى خطة بطيئة ومُحكمة لخلخلة البنية الأخلاقية.
فالصورة، والبطولة، والمشهد العابر—كلها أدوات لإزاحة صلابة الوعي إلى منطقة التسييل.
هكذا تتحول المسلّمات إلى خيارات… والخطايا إلى وجهات نظر.
تبرير الخطيئة: بطولة السكيرالكأس الذي يرفعه البطل لا يظهر كضعف، بل كطوق نجاة.
الهروب يُباع على أنه شجاعة، والضياع على أنه فلسفة.
وهكذا تُشرعن الخطيئة بالضوء والكاميرا.
ترخيص الخيانة: الحب المقموعالخيانة الزوجية تُمنح مبررات تافهة تُخفي وراءها انهيارًا أخلاقيًا.
يُسوَّق الانحدار بوصفه "بحثًا عن الذات"، وكأن الذات لا تُبنى إلا على أنقاض العهود.
تجريم الالتزام: سياسة الإزاحةالمتدين لا يظهر إلا متطرفًا أو جاهلًا أو عبئًا على الحياة.
ليس هذا خطأً فنّيًا… بل سياسة ثابتة:
إقصاء الالتزام الأخلاقي خارج دائرة الاحترام والتأثير.
بطولة الفشل وتفاهة البطولةالفهلوى، والفاشل، والمنافق…
هؤلاء صاروا نجومًا اجتماعيين.
تحتفي السردية بالسطحية، وتحوّل التحايل على القانون إلى “شطارة”، وتخلق مجتمعًا يضحك على نفسه دون أن يدرك أنه يُعاد تشكيله.
صناعة التحرر الزائفالتعري يُسوَّق كحرية شخصية، بينما هو في الحقيقة
منتج استهلاكي لتغذية السوق لا تحرير الروح.
جسد بلا قيمة… وروح بلا جذور.
هذه هي “الحرية” التي يريدونها لك.
الجذور الفكرية: ثقافتهم… لا أخطاء عابرةما يحدث ليس ذوق جيل، ولا مزاج صناع الفن.
إنه امتداد مباشر لجذور فكرية غربية خططت لتغيير الإنسان من الداخل.
الحداثة: كسر العمود الفقري للقيمةالحداثة رفعت شعار هدم الموروث.
كل ثابت يجب أن يُهدم…
كل مقدس يجب أن يُكسر…
حتى يعيش الفرد بلا مرجعية، وبلا تاريخ، وبلا عمود أخلاقي.
العلمانية الراديكالية: تسييل الأخلاقفصل الأخلاق عن الإيمان جعل الإنسان يصنع معاييره بيده كل يوم.
اليوم شيء صواب… وغدًا نفسه يصبح خطأ… وبعد غد “حرية شخصية”.
إنه سقوط بلا قاع.
الرأسمالية المتوحشة: الوحش المستهلِكلا تستطيع الرأسمالية أن تعمل مع إنسان قوي ومستقرّ.
هي تحتاج فردًا هشًا، منقطعًا عن أسرته، وعن قيمه، وعن ذاته.
وهكذا يتحول الفن إلى إعلان ضخم لنمط حياة يخدم المنظومة لا الإنسان.
الختام: الوعي هو السلاح الأخيرما يُعرض عليك ليس بريئًا… ولا محايدًا… ولا مجرد "فيلم".
إنه رصاصة ناعمة تُطلق على وعيك.
ولأن الفن هو اللغة الأكثر تسلّلًا إلى العقل، فقد استُخدم كأداة رئيسية لإعادة تشكيل الإنسان.
مع كل مشهد وصورة وجملة… تتغيّر نقطة صغيرة داخلك.
ومع تراكم هذه النقاط… تستيقظ لتجد أن قيمك لم تعد كما كانت.
إذا نام الوعي… سقطت الأمة.
لا تحتاج سقوطًا عسكريًا أو سياسيًا…
يكفي سقوط في الداخل.
الوعي ليس رفاهية.
إنه سلاحك الأخير.
إما أن تفهم…
أو تُسحق تحت عجلات "ثقافتهم الثقيلة" التي تتقدم كدبابة بلا رحمة.